أحمد بن محمد المقري التلمساني
89
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وما زلت ألهج بما أفادنيه شيخي من أماليه ، وأتصفح الدهر الذي جمعته فيه « 1 » ، من أسافله إلى أعاليه ، واستشكل على الأحباب والأصحاب في أثناء المسامرة ، ما أفادنيه سيدي من تسمية المرحوم القاضي التنوخي كتابه « نشوار المحاضرة » حتى ظفرت بأصلها في القاموس في مادة « نشر » ، فإذا هي عربية محضة ، فإنه قال : « ونشورت الدابة نشوارا : أبقت من علفها » ولقد تعجبت من بلاغة هذه التسمية وعذوبتها ، وحسن المجاز فيها مع سلاستها وسهولتها ، وأحببت عرضها على شيخي حفظه اللّه تعالى ليفرح لي بين تلامذته كما فرح طبعي به حفظه اللّه تعالى بين أساتذته ، وليعلم أني لم أنس ما أفادنيه في خلال المحاورة ، أيام المؤانسة والمجاورة ، فو اللّه إنه سميري ، في ضميري ، وكليمي ، ما بين عظمي وأديمي « 2 » : [ بحر الطويل ] يديرونني عن سالم وأديرهم * وجلدة بين العين والأنف سالم « 3 » الطرس طما وما مضت قصتنا * لاذنب لنا حديثنا لذّ فطال « 4 » وحرر يوم السبت المبارك غرة جمادى الآخرة من شهور سنة ثمان وثلاثين بعد الألف ، أحسن اللّه ختامها بحرمة محمد وآله الطيبين الطاهرين ، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير ، والحمد للّه وحده ، عبده الفقير الحقير المشتاق ، المذنب المقصر لسيده عن اللحاق ، الذي لم يبرح عن العهد المتين ، أحمد الشامي بن شاهين ، انتهى . ولو تتبعت ما له حفظه اللّه تعالى من النظم والنثر ، اللذين غلب فيهما بلغاء أهل العصر ، بالشام ومصر ، وغيرهما من الأقطار ، لا زال مقامه مقضي الأوطار ، لاستوعبت ، الأسفار . وفي الإشارات ما يغني عن الكلم ، وقد تقدم في خطبة هذا التأليف ، ذكر شيء من نظمه ونثره وأنه هو السبب الداعي إلى جمع هذا التصنيف ، واللّه سبحانه يديم جنابه السرى الشريف ، ويبوئه من العز الظل الوريف « 5 » ، فلقد أولى من الحقوق ما لا نؤدي بعضه فضلا عن كله ، وناهيك بما جلبناه من كلامه دليلا على شرفه وفضله . ورسالته هذه إلي كانت جوابا عن مكتوب كتبته إليه من جملته : [ بحر السريع ] يا من له طائر صيت علا * في الجو فاصطاد الشريد الشديد
--> ( 1 ) في ب ، ه : « الذي جمعته عنه » . . ( 2 ) أديمي : جلدي . ( 3 ) البيت لزهير بن أبي سلمى . ( 4 ) الطرس : الصحيفة . ( 5 ) يبوئه : ينزله . والظل الوريف : الظليل الممتد .